الشيخ محمد ابراهيم عبد الباعث

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وآله الطيبين الطاهرين وصحابته المنتجبين المنتخبين . وبعد فهذا تعريف موجز بكاتب هذه السطور ، وهو العبد المسكين الذي لا شيء بشأنه إلا ما كان من الواجب المحتوم عليه من التحدث بنعمة ربه الذي يهب ما يشاء لمن يشاء ولو أساء ، فله الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون ” ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ” .   اللهم صن أسرارنا معك عن أعدائنا فيك الحاسدين لنا على ما أنطقتنا به من آثار نعمتك وغرائب حكمتك ، وأشغلهم عنا بلطفك ، وفرغنا للاهتمام بتعاهد فروضك واستعمال سننك ، والقيام بما أوجبت علينا من نصرة دينك والذود عن محبة رسولك – صلى الله تعالى عليه وآله وسلم – الذي شرفتنا به وأوجبت لنا الحق على الخلق بسببه .

الاسم والنشأة

أنا محمد بن إبراهيم بن عبد الباعث بن أحمد بن غنيم ، وينتهي نسبي إلى سيد شباب أهل الجنة الإمام أبي عبد الله الحسين السبط بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب – عليهما السلام – من البضعة الزهراء فاطمة سيدة نساء العالمين بنت أشرف الخلق صفوة الملك الحق سيد الأولين والآخرين – صلى الله تعالى عليه وآله وسلم – ولدت بمدينة الثغر ( الإسكندرية ) يوم الإثنين الأول من شهر يوليو سنة ست وأربعين وتسع مائة وألف ميلادية ، في بيت متواضع من والدين كريمين . أما والدي فقد كان عالما نابغا وفقيها ذا دراية ، واسع الاطلاع في شتى علوم الشريعة منقولها ومعقولها ، كما كان شاعرا مطبوعا ومحاضرا موهوبا ، ذا مشرب عرفاني وخلق رباني ، جميل الطلعة مشرق المحيا ، من رآه بديهة هابه ومن خالطه عشرة أحبه ، يصدق عليه قول رسول الله –صلى الله تعالى عليه وآله وسلم – ( خيار عباد الله الذين إذا رُؤوا ذكِرَ الله … ) الحديث ، رواه أحمد وابن أبي شيبة والطبراني في الكبير وابن أبي الدنيا بطرق . وضريحه بمسجده بالإسكندرية مشهور ومعروف ، يؤمه القاصي والداني ، وفي العزم أن أفرده بترجمة واسعة يَسَّرَ اللهُ إخراجها .

وأما والدتي فقد كانت متنسكة متعبدة كثيرة الذكر طويلة الصمت ، دائمة العكوف على تلاوة القرآن والانشغال بالصلاة على رسول الله – صلى الله تعالى عليه وآله وسلم – بكاءة من خشية الله ، وقافة عند حدوده ، لا تنتهك في مجلسها الحرمات ولا تثنى فيه الفلتات ، ذات زهادة في زهرة الدنيا ، تعامل والدي معاملة المريد الصادق لشيخه من حسن السمع والطاعة وصدق الخدمة وحفظ الحرمة ، فلا ترفع صوتها عليه ولا تكلفه من مؤونة الحياة ما يبهظه ، توفي وهو عنها راضٍ ، فجزاهما الله من أبوين كريمين ، ورحمهما كما ربياني صغيرًا .

تحصيل العلوم

لم يقدر الله لي الالتحاق بالكليات الأزهرية وإنما تعلمت في المدارس النظامية والتي أفدت منها مبادئ العلوم الأولية بجانب علوم أخرى لم تكن محط رحلي ولا موضع اهتمامي فحمدت الله على ذلك ، فوجدت في بابه عوضا عن كل فائت ، ومن غفلة الكثيرين إعظام الشأن في جانب تأهيل الخلق وعدم الاهتبال بما دلت عليه الشواهد من تأهيل الحق ، وفي هذا المعنى يقول الشيخ أبو الفيض محمد بن عبد الكبير الكتاني في إحدى حكمه ( علم آدم الأسماء كلها ولم يدخل مدارس التعليم إنباء منه سبحانه عند افتتاح الدورة الآدمية أن عطاءاته العظمى لا تتوقف إلا على التأهيل الأزلي لا على ما اشترطه الخلق )   ولا تعتقد أن كلامنا هذا دعوة إلى إهمال الأسباب ، وإنما هو تأكيد لواقع مسلّم لا سبيل إلى مصادرته ، ونذكر هنا نشأة أسلافنا الذين تخرج على دراسة كتبهم والنظر في آثارهم كلُّ طالب درس بجامعاتنا الإسلامية في المشرق والمغرب .   ولقد قال لي والدي – رحمه الله – سيسعى إليك العلم وسوف تعان على تحصيله وطلبه ، وقد حقق الله – وله الحمد والمنة – بشارته فأينعت فينا غروسه وتبدت منا عروسه وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

ولست أبالــــي مع ذلك     إذا رضيت عني كرام عشيرتي نعم لقد كانت السابقة في تحقيق هذا الفضل لصنيع قدمته والدتي – رحمها الله – وهو أنها كانت لا يعيش لها الذكور من أولادها فقامت بشراء نسخة من صحيح الإمام أبي عبد الله البخاري – رحمه الله – وأوقفتها باسمي على المشاركين في ختم الصحيح الجامع في أشهر رجب وشعبان ورمضان من كل عام فوهب الله لها من لدنه هذا العبد الفقير إلى نواله منة منه سبحانه ، فنشأت بناشئة الفضل محبا للعلم ، ساعيا إلى تحصيله ، عاكفا على تلقيه وأخذه من أربابه منذ نعومة أظفاري ، فلم يكن يشغلني ما يشغل الأطفال في الصغر حتى في مرحلة دراستي كان الهم والاهتمام بالعلوم الشرعية فلزمت مجالس والدي – رحمه الله – ملقيا الرسن في بابه والصماخ إلى عذب خطابه ، وكان – رحمه الله – لا يضن عليّ بما ندُر من الكتب وعزّ من الأمهات التي وجدت فيها بغية الطالب وبلغة القاصد ، فكان رحمه الله عمدتي من بعد الله ورسوله في ترسم سبيل القصد في تحصيل العلوم الشرعية . وقد خاطبني رحمه الله تعالى وأنا في إحدى سنيّ الطلب بقوله نظمًا :   أقر الله عيني يـا مـحمــــدا       بتـوفيق لشخصك في الأنام ودمت بصحةٍ دنيـا و دينًـــا       يحـالفك النجاح بلا انصرام ولا زلت المقدم في البـرايا     بحب الله والهــادي التهامي ولقد دفعني والدي إلى إلقاء خطبة الجمعة في عدة مساجد وأنا ابن ست عشرة سنة ، وكنت شديد العناية بكل ما يصقل أدائي في هذا الدور العظيم الذي أنيط بي وأنا في هذه السن المبكرة .

ثم توفي والدي – رحمه الله تعالى – سنة سبعين وتسع مائة وألف عن ثلاث وسبعين سنة ، فتركت وفاته في نفسي أثرا أيقظ مني فواتر الهمم في طلب الحديث بعد أن حفظت القرآن حالة صغري على يد زوج أختي الشيخ / حنفي محمود والشيخ / محمد الشافعي رحمهما الله تعالى . فيسر الله لي الاتصال في ذلك الوقت وأنا ابن أربع وعشرين سنة بشيوخ الرواية والإسناد من آل الصديق وفي مقدمتهم السيد/ عبد الله الصديق الغماري رحمه الله والذي كان ينزل في بيتي مدة إقامته بالإسكندرية وأخويه السيد/ عبد العزيز والسيد/ عبد الحي . واتصلت أيضا بالسيد/ إبراهيم الكتاني والسيد/ عبد الرحمن الكتاني والسيد/ محمد المنتصر الكتاني وغيرهم من سادة البيت الكتاني . كما أخذت عن الشيخ/ محمد الحافظ التيجاني بالقاهرة بزاويته بالمغربلين ، والشيخ/ صالح الجعفري وغيرهم .

مؤلفاتي

أنا قليل البضاعة في التأليف وذلك لأنني لا أحب أن أطرق بابًا قد طرقه غيري ولكثرة الدروس التي أقوم بإلقائها بمساجد الإسكندرية في كل أيام الأسبوع. ففي يوم السبت أقوم بشرح أحاديث صحيح الإمام مسلم بمسجد شرق المدينة وفي يوم الأحد أُدَرِّسُ السيرة بمسجد نور الإسلام ، وفي يوم الإثنين أشرح أحاديث صحيح الإمام البخاري بمسجد الميناء الشرقية ، وفي يوم الثلاثاء أقوم بتدريس التصوف بمسجد النبي دانيال ، وفي يوم الأربعاء أقوم بتفسير القرآن بمسجد بدر ، وفي يوم الخميس أقوم بشرح الشمائل بمسجد والدي رحمه الله تعالى. أما ما طبع من المؤلفات فكتاب صححت فيه مفهوم الافتراق في هذه الأمة بعنوان ( إبراء الذمة بتحقيق القول حول افتراق الأمة ) وكتاب ( نقل الأعضاء بين الحِلِّيَة والحرمة ) ، والجزء الأول من كتاب ( رد المتشابهات إلى المحكمات في جانب خاتم النبوات صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ) يسَّر الله إخراج الجزء الثاني . والعزم على الاشتغال بعدة تآليف حول القدر والقرآن والخصائص بتناول جديد كما هو منهجي في التعامل مع الأبواب المطروقة والذي يشتمل على التصحيح ورد الشبهات وحل المعضلات وإزالة المشكلات وتفنيد الأباطيل والافتراءات مما تدعو إليه حاجة العصر .

وختاما أسأل الله جلت نعمته أن يجعل في ما يقدر من القدر المحتوم الذي لا يرد أن يطيل عمري في عافية وأن يحقق لي آمالي فيما أرجوه من نشر هذا العلم الشريف وأن ينفع به المسلمين وأن يرزقني صدق الوجهة فيما طلبت وحسن القصد فيما أديت وأن يحسن لي العقبى فيما سألت إنه وليّ ذلك والقادر عليه . وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وآله وسلم